الجواد الكاظمي
352
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
قالوا : ويؤيّد ذلك أنّ النبيّ ( 1 ) صلى اللَّه عليه وآله وسلم بعث يوم الحديبية إلى أهل مكَّة عثمان لأنّ عشيرته كانت أقوى بمكَّة ، نعم يستحبّ لمثل هذا المهاجرة لما في الإقامة معهم من الاختلاط بهم ، وتكثير عددهم . ثمّ استثنى ممّا تقدّم بقوله « إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ » والظاهر أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإشارة إليه « لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً » لفقرهم وعجزهم عن التوصّل وعدم وجدانهم أسباب الهجرة وهي صفة « المستضعفين » ويجوز أن تكون صفة الرّجال وما بعده ، وإن كان نكرة لأنّ الموصوف لا يراد به شيء بعينه ، فهو كقوله « ولقد أمرّ على اللَّئيم يسبّني » . « ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا » ولا معرفة لهم بالمسالك والطَّرق . « فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ » ذكر بكلمة الأطماع ولفظة العفو إيذانا بأنّ ترك الهجرة أمر خطير ، حتّى أنّ المضطرّ من حقّه أن لا يأمن ويسأل اللَّه العفو عنه ويترصّد الفرصة فكيف بغيره . « وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً » ومقتضاها عدم وجوب المهاجرة على تقدير عدم الحيلة والاستطاعة ، ووجود العذر المانع منها كالمرض والضّعف ، أو عدم النفقة أو غير ذلك وهي مؤكَّدة الوجوب في صورة القدرة كما اقتضته الآية السابقة . ولا يرد أنّه قد روي ( 2 ) عنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم « لا هجرة بعد الفتح » ومن ثمّ احتمل بعضهم كونه ناسخا لها ، إن كان متواترا ، أو مخصّصا لها أو مقيّدا إن لم يكن ، لأنّ المراد بالحديث نفي وجوب الهجرة عن مكَّة بعد فتحها للتمكَّن من إظهار شعائر الإسلام ولكونها صارت دار الإسلام لا أنّ المراد عدم الهجرة على العموم ، كيف والهجرة من
--> ( 1 ) انظر السير قصة عمرة الحديبية . ( 2 ) انظر الوسائل الباب 36 من أبواب الجهاد الحديث 7 ج 2 ص 431 ط الأميري والمنتهى ج 2 ص 899 وانظر أيضا الجامع الصغير الرقم 9927 ج 6 ص 438 فيض القدير وفيه أنه أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة وانظر سنن البيهقي ج 9 من ص 15 إلى ص 18 ومجمع الزوائد ج 5 ص 250 وص 251 .